ما أشبه اليوم بالأمس… لعبة سعر الصرف بين فراغ السلطة ومصالح النفوذ

في لحظات الانشغال السياسي والفراغ الدستوري، تنفتح الثغرات التي تسمح بتمرير سياسات لا يمكن تمريرها في الأوقات الطبيعية. هكذا يبدو المشهد اليوم في العراق، حيث عاد ملف سعر صرف الدولار ليطفو على السطح مرة أخرى، لكن هذه المرّة في توقيت حساس، وفي ظل غياب تام لرئيس وزراء منتخب وحكومة كاملة الصلاحيات.

ثبات الدولار… إنجاز أم ورقة ضغط؟

خلال الأشهر الماضية، رُوِّج لفكرة “استقرار الدولار” باعتباره إنجازًا يُحسب للحكومة السابقة ضمن إطارها السياسي، رغم أن ذلك الاستقرار لم يستند إلى إصلاحات بنيوية أو مالية حقيقية، بل كان أشبه بتهدئة مؤقتة لشارع متوتر.
ومع دخول البلاد اليوم في مرحلة حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات، عاد الدولار إلى واجهة الأحداث، وتصاعدت الاتهامات بوجود محاولات لإعادة ضبط سعر الصرف سياسيًا لا اقتصاديًا.

لماذا الآن بالتحديد؟

الفراغ السياسي الحالي المتمثل بتأخر اختيار رئيس وزراء جديد وتشكيل حكومة مكتملة الصلاحيات خلق مساحة يتحرك فيها اللاعبون الماليون والسياسيون بحرية أكبر.
هذه الفترة تُعد تاريخيًا أرضًا خصبة للتأثير في السوق، وتمرير قرارات سريعة، أو حتى إعادة توزيع مراكز القوة داخل الملفات الاقتصادية.

فالأسواق المالية بطبيعتها تتأثر بالرسائل السياسية أكثر من المؤشرات الاقتصادية، وفي غياب السلطة التنفيذية القوية تصبح هذه الرسائل جزءًا من لعبة النفوذ.

من المستفيد؟

سؤال من المستفيد لا يرتبط بشخص واحد أو جهة واحدة، بل بمجموعة مصالح تتحرك في ثلاث دوائر:

  1. أطراف سياسية تسعى لتسجيل نقاط شعبية عبر الإيحاء بقدرتها على “ضبط الدولار” أو اتهام خصومها بالفشل.
  2. شبكات اقتصادية ومضاربون يستفيدون من تقلبات سعر الصرف، خصوصًا عندما تكون الدولة غير قادرة على التدخل الفوري.
  3. جهات ضغط داخلية وخارجية تدرك أن الدولار في العراق ليس مجرد عملة، بل أداة تأثير سياسي وأمني واجتماعي.

كيف تُسن القرارات في ظل حكومة تصريف الأعمال؟

حكومة تصريف الأعمال وظيفتها، بحسب الدستور، تسيير الأمور اليومية فقط.
لكن الواقع يختلف…
فعندما يحدث فراغ سياسي أو خسارة السيطرة على التوازنات داخل الدولة، تصبح “الحاجة” أو “الظرف الطارئ” مبررًا لتمرير قرارات مالية أو تنظيمية قد لا يملك أحد القدرة على مراجعتها لاحقًا.

هذه المساحة الرمادية شبيهة بتلك التي عاشها العراق في فترات التحول الكبرى، حين كانت القرارات تُفرض تحت ضغط الوقت أو غياب مؤسسات رقابية فعالة.

ما أشبه اليوم بالأمس…

الحديث عن سقوط بغداد في 2003 ليس من باب المقارنة بين الأحداث، بل من باب التشابه في “الفراغ” الذي يسمح بتغيير البنية الاقتصادية والسياسية من دون حوار وطني واسع.

اليوم، ومع التوتر السياسي وانعدام الوضوح حول مستقبل الحكومة، يبدو أن سعر الصرف عاد ليكون الأداة الأكثر حساسية وتأثيرًا في الشارع، والأكثر قابلية للاستغلال من قبل القوى التي تبحث عن ترسيخ وجودها أو استعادة نفوذها.

خلاصة المشهد

العراق يقف أمام لحظة دقيقة:

في مثل هذه البيئة، يصبح التلاعب بالعملة ليس قرارًا ماليًا، بل رسالة سياسية موجهة للداخل والخارج على حد سواء.

وما أشبه اليوم بالأمس… فالفجوات السياسية كانت ولا تزال بوابة للتأثير في اقتصاد العراق، بينما يبقى المواطن هو الأكثر تضررًا من لعبة لا يملك أدواتها ولا يُستشار في نتائجها.


Exit mobile version