منذ سنوات طويلة، يشهد العراق حالة متكررة من التأجيل والتردد كلما اقتربت القوى السياسية من اختيار رئيس للوزراء. هذا التباطؤ لا يأتي من فراغ، بل يعكس تعقيدات المشهد السياسي وتشابك المصالح بين الأحزاب والكتل المؤثرة. ومع كل استحقاق سياسي، تتحول عملية الترشيح إلى مساحة واسعة للمساومات والاتفاقات الخلفية، بدلاً من أن تكون خطوة واضحة يُحترم فيها صوت الناخب وخياره.
وسائل الإعلام بدورها تزيد من ضبابية المشهد، إذ تتحول التغطية إلى حالة من التشويق والتصعيد، وكأن البلاد تعيش موسماً سياسياً مستمراً. بهذه الصورة، ينصرف الاهتمام عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بخدمة المواطن واستقرار الدولة، ليصبح الحديث محصوراً في ما تقرره موازين القوى وتفاهمات اللحظة.
المشكلة لا تكمن فقط في تأخر إعلان الأسماء أو في طبيعة التنافس السياسي، بل في غياب آلية تضمن أن تكون إرادة الشعب هي الأساس في تشكيل الحكومات. فبعد كل انتخابات، تُستبدل نتائج صناديق الاقتراع بنقاشات مغلقة، وتوافقات بين القوى المؤثرة، لتتشكل الحكومة بناءً على مبدأ التراضي بين الأطراف وليس بناءً على رغبة المواطنين.
هذا الواقع جعل المواطن العراقي يشعر بأن دوره ينتهي عند صندوق التصويت، وأن صوته لا يُترجم إلى قرار فعلي في اختيار من يقود البلاد. وبين التدخلات الداخلية، وضغوط القوى، وغياب رؤية سياسية واضحة، يبقى الشعب خارج دائرة التأثير المباشر، رغم أنه صاحب الحق الأول في تقرير شكل الحكومة ومستقبل الدولة.
إن الوصول إلى مشهد سياسي صحي يتطلب إعادة الاعتبار لصوت المواطن، وبناء قواعد واضحة تضع القرار في يد الشعب فعلاً، لا شكلاً. فالعراق لن يتقدم ما لم يكن المواطن شريكاً حقيقياً في صنع القرار، وما لم تُبنَ الحكومات على أسس شفافة تحترم رأي الأغلبية وتضمن تمثيلاً عادلاً ينعكس على استقرار الدولة وخدمة المجتمع.
